علي بن أحمد بن علي بن هبل البغدادي ( ابن هبل )

140

كتاب المختارات في الطب

للألم ، وإذا التذت كانت أشد التذاذا من غيرها من القوى الحساسة وحاسة البصر لما لم تمانع محسوسها بل استحالت إليه بسهولة قل تألمها بما ينالها من محسوسها المنافي ، وكذلك لذتها بما ينالها من محسوسها الملائم ، وباقي الحواس على قدر غلظ أجسامها ولطافتها ينالها الألم واللذة ، ولأن الوجع والألم أحد الأمور الخارجة عن الطبع فنقول في سببه . وأسباب الوجع تنحصر في جنسين ، جنس يغير المزاج دفعة وهو سوء المزاج المختلف ، وجنس يفرق الاتصال ، وسوء المزاج المختلف هو أن يكون لجواهر الأعضاء في أنفسها مزاج خاص فيرد عليها مزاج مناف ومضاد لمزاجها بغتةً فتمس القوة بورود مضاد فتتألم ، وهذا المزاج الوارد يسمى المزاج المختلف لأنه يخالف العضو الحساس ويغيره عن حالته الطبيعية ومعنى مختلف أن يخالفه في مزاجه وأن يرد عليه بغتة والا إذا ورد عليه تدريجاً فقد لا يحس به فلا يتألم ويسمى هذا سوء المزاج المتفق ، وذلك أن هذا المزاج المتفق إذا ورد على عضو وله في نفسه مزاج مضاد غيره على التدريج قليلًا قليلًا وتمكن هو من الأعضاء وصار لها كالمزاج الأصلي الصحي فلا تحس به الأعضاء لأنها لا تنفعل عنه فلا تتألم والشيء لا ينفعل عن الحالة المتمكنة فيه خاصة إذا بطل المزاج الصحي وصار كأنه هو مثل ما يعرض للمدقوق فإنه لا يحس بحماه كما يحسها صاحب حمى يوم أو حمى غب ، وكذلك المستسقي لأنه لم يبق له عضو صحيح يحس بألم كما يحس العضو الصحيح إذا ورد عليه سوء مزاج مختلف من قبله وليس كل سوء مزاج مختلف يوجع الا أن يكون حارا بالذات أو باردا بالذات فان الرطب لا يؤلم واليابس لا يؤلم الا بطريق العرض بجمعه العضو وتكثيفه إياه ولأن الرطوبة واليبوسة كيفيتان انفعاليتان ليس من شأنهما أن يؤثر بهما جسم في جسم بل بأن يتأثر جسم عن جسم فلا يحدثان وجعا الا بطريق العرض وأما جنس تفرق الاتصال فهو الموجب للوجع . وقد ذهب جالينوس إلى أن سبب الوجع تفرق الاتصال وحده